الفتال النيسابوري

347

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

يديها عليها السّلام فتقول : أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرّة بعد مرّة ؟ أين أبوكما ؟ الذي كان أشدّ الناس شفقة عليكما ، فلا يدعكما تمشيان على الأرض ؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! فقد واللّه جدّكما وحبيب قلبي ، ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ، ولا يحملكما على عانقه كما يزل يفعل بكما ، ثمّ مرضت مرضا شديدا ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفّيت صلوات اللّه عليها . فلمّا نعيت إليها نفسها دعت أمّ أيمن وأسماء بنت عميس ، ووجّهت خلف عليّ وأحضرته فقالت : يا ابن عمّ ، إنّه قد نعيت إليّ نفسي ، وإنّني لأرى ما بي لا أشكّ إلّا أنّني لا حقة بأبي ساعة بعد ساعة ، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي . قال لها عليّ عليه السّلام : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول اللّه . فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ثمّ قالت : يا بن عمّ ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ عاشرتني . فقال عليه السّلام : معاذ اللّه ! أنت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفا من اللّه أن أوبّخك غدا « 1 » بمخالفتي ! فقد عزّ عليّ بمفارقتك وبفقدك ، إلّا أنّه أمر لا بدّ منه ، واللّه جدّد عليّ مصيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ! وقد عظمت وفاتك وفقدك ؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها ! ! هذه واللّه مصيبة لا عزاء عنها « 2 » ، ورزيّة لا خلف لها ، ثمّ بكيا جميعا ساعة ، وأخذ عليّ رأسها وضمّها إلى صدره ثمّ قال : أوصيني بما شئت ؛ فإنّك تجديني وفيّا امضي كلّ ما أمرتني به ، وأختار أمرك على أمري ، ثمّ قالت : جزاك اللّه عنّي خير الجزاء ، يا ابن عمّ أوصيك

--> ( 1 ) في المخطوط : « عزا » بدل « غدا » . ( 2 ) في المخطوط : « عزالها » بدل « عزاء عنها » .